المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اداب الفتوى الحلقه 3


عبد القادر سالم
09-11-2009, 02:17 PM
فصل

[أصناف المفتين ومراتبهم]

هذه أصناف المفتين وهي خمسةٌ،‏ وكلُّ صنف منها يُشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس،‏ فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم.

ولقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحلُّ له الفتوى بمجرد ذلك،‏ ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها،‏ ويلتحق به المتصرف النظَّار البحاث،‏ من أئمة الخلاف وفحول المناظرين‏;‏ لأنه ليس أهلاً لإدراك حكم الواقعة استقلالاً،‏ لقصور آلته،‏ ولا من مذهب إمام،‏ لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.‏

فإن قيل:‏ من حفظ كتاباً أو أكثر في المذهب وهو قاصر،‏ لم يتصف بصفة أحد ممن سبق،‏ ولم يجد العامي في بلده غيره،‏ هل له الرجوع إلى قوله ‏؟‏

فالجواب:‏ إن كان في غير بلده مُفتٍ يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه،‏ فإن تعذر ذكر مسألته للقاصر،‏ فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يُقبل خبره نقل له حكمه بنصه،‏ وكان العامي فيها مقلِّداً صاحب المذهب.

قال أبو عمرو:‏ وهذا وجدتُّه في ضمن كلام بعضهم،‏ والدليل يعضده،‏ وإن لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده،‏ وإن اعتقده من قياس لا فارق،‏ فإنه قد يتوهم ذلك في غير موضعه.‏

فإن قيل:‏ هل لمقلِّدٍ أن يفتي بما هو مقلد فيه ‏؟‏

قلنا:‏ قطع أبو عبد الله الحَلِيمي وأبو محمد الجويني وأبو المحاسن الرّوياني وغيرهم بتحريمه،‏ وقال القفال المروزي:‏ يجوز.

قال أبو عمرو:‏ قولُ من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه،‏ بل يضيفه إلى إمامه الذي قلَّده،‏ فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة،‏ لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم،‏ وسبيلهم أن يقولوا مثلاً:‏ مذهب الشافعي كذا أو نحو هذا،‏ ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به،‏ ولا بأس بذلك.‏ ‏

‏وذكر صاحب الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه:‏ أحدها‏: يجوز أن يفتي به ويجوز تقليده ‏;‏ لأنه وصل إلى علمه.‏ كوصول العالم.‏ ‏

والثاني: يجوز إن كان دليلها كتاباً أو سنة،‏ ولا يجوز إن كان غيرهما.‏ ‏

والثالث: لا يجوز مطلقاً، وهو الأصح والله أعلم.‏ ‏




فصل

في أحكام المفتين

فيه مسائل:

إحداها: الإفتاء فرض كفاية، فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعيَّن عليه الجواب،‏ فإن كان فيها غيره وحضرا فالجواب في حقهما فرض كفاية،‏ وإن لم يحضر غيره فوجهان أصحهما:‏ لا يتعين لما سبق عن ابن أبي ليلى،‏ والثاني:‏ يتعين،‏ وهما كالوجهين في مثله في الشهادة.‏

ولو سأل عامي عمَّا لم يقع لم يجب جوابه.

الثانية: إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه،‏ ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به،‏ وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع،‏ لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلَّده في القبلة في أثناء صلاته،‏ وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلاً قاطعاً لزم المستفتي نقض عمله ذلك،‏ وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه‏;‏ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.‏

وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو،‏ واتفقوا عليه،‏ ولا أعلم خلافه،‏ وما ذكره الغزالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه.‏

قال أبو عمرو:‏ وإذا كان يُفتي على مذهب إمامٍ، فرجع لكونه بان له قطعاً مخالفة نص مذهب إمامه،‏ وجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد‏;‏ لأنَّ نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل.‏

أما إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فحال المستفتي في علمه كما قبل الرجوع،‏ ويلزم المفتي إعلامه قبل العمل،‏ وكذا بعده حيث يجب النقض.

وإذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطؤه وأنه خالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق أنه يضمن إن كان أهلاً للفتوى،‏ ولا يضمن إن لم يكن أهلاً‏;‏ لأن المستفتي قصًَّر.‏ كذا حكاه الشيخ أبو عمرو وسكت عليه،‏ وهو مُشكِلٌ وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروف في بابي الغصب والنكاح وغيرهما،‏ أو يقطع بعدم الضمان ‏;‏ إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء.‏ ‏

الثالثة: يحرم التساهل في الفتوى،‏ ومن عرف به حرم استفتاؤه،‏ فمن التساهل:‏ أن لا يتثبت،‏ ويُسرِع بالفتوى قبل استيفاء حقِّها من النظر والفكر،‏ فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة،‏ وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة.‏

ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرَّمة أو المكروهة،‏ والتمسك بالشبه طلباً للترخيص لمن يروم نفعه،‏ أو التغليظ على من يريد ضره.

وأما مَنْ صَحَّ قصده فاحتسب في طَلَبِ حيلةٍ لا شبهة فيها،‏ لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا،‏ كقول سفيان: "إنمَّا العلم عندنا الرخصة من ثقة،‏ فأما التشديد فيحسنه كل أحد".

ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها:‏ الحيلة السُّريجية في سدِّ باب الطلاق.‏ ‏



الرابعة: ينبغي أن لا يفتي في حال تغيُّر خُلُقه،‏ وتشغل قلبه،‏ ويمنعه التأمل،‏ كغضب،‏ وجوع،‏ وعطش،‏ وحزن،‏ وفرح غالب،‏ ونعاس،‏ أو ملل،‏ أو حر مزعج أو مرض مؤلم،‏ أو مدافعة حَدَث،‏ وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال وهو يَرَى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطراً بها !!‏ ‏

الخامسة: المختار للمتصدِّي للفتوى أن يتبرعَ بذلك،‏ ويجوز أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال، إلا أن يتعيَّن عليه وله كفاية،‏ فيحرم على الصحيح.‏

ثم إن كان له رزقٌ لم يجز أخذ أجرة أصلاً،‏ وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان مَنْ يفتيه على الأصح كالحاكم.‏

واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني من أصحابنا فقال:‏ له أن يقول:‏ يلزمني أن أفتيك قولاً،‏ وأما كتابة الخط فلا،‏ فإذا استأجره على كتابة الخط جاز.‏

قال الصيمري والخطيب:‏ لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقاً من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز.

أما الهدية فقال أبو مظفر السَّمعاني له قبولها،‏ بخلاف الحاكم فإنه يلزم حكمه.‏

قال أبو عَمرو:‏ ينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض.‏

قال الخطيب: وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف،‏ ويكون ذلك من بيت المال،‏ ثم روى بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كلَّ رجلٍ ممن هذه صفته مائة دينار في السنة.‏ ‏

السادسة: لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ،‏ أو متنَـزِّلاً منـزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها.‏ ‏

السابعة: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوقٍ بصحته،‏ وبأنه مذهب ذلك الإمام،‏ فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة،‏ فليستظهر بنسخ منه متَّفقة،‏ وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق ‏بها في بعض المسائل إذا رأى الكلام منتظماً وهو خبير فَطِن لا يخفى عليه لدربته موضع الإسقاط والتغيير.‏

فإن لم يجده إلا في نسخة غير موثوق بها فقال أبو عمرو:‏ ينظر فإن وجده موافقاً لأصول المذهب،‏ وهو أهل لتخريج مثله في المذهب لو لم يجده منقولاً فله أن يفتي به.‏ فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل:‏ قال الشافعي مثلاً كذا،‏ وليقل:‏ وَجدتُّ عن الشافعي كذا،‏ أو بلغني عنه،‏ ونحو هذا.‏

وإن لم يكن أهلاً لتخريج مثله لم يجز له ذلك،‏ فإن سبيله النقل المحض،‏ ولم يحصل ما يجوز له ذلك،‏ وله أن يذكره لا على سبيل الفتوى مُفصِحاً بحاله،‏ فيقول: وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه.‏

قلتُ:‏ لا يجوز لمفتٍ على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنَّفٍ ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح‏;‏لأن هذا المفتي المذكور إنما ينقل مذهب الشافعي،‏ ولا يحصل له وثوق بأن ما في المصنفين المذكورين ونحوهما هو مذهب الشافعي،‏ أو الراجح منه‏;‏ لما فيهما من الاختلاف.

وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بالمذهب،‏ بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذٌ بالنسبة إلى الراجح في المذهب،‏ ومخالفٌ لما عليه الجمهور،‏ وربما خالف نصَّ الشافعي أو نصوصاً له،‏ وسترى في هذا الشرح إن شاء الله تعالى أمثلة ذلك،‏ وأرجو إن تم هذا الكتاب أنه يستغنى به عن كل مصنّف ويعلم به مذهب الشافعي علماً قطعياً إن شاء الله تعالى.‏ ‏

الثامنة: إذا أفتى في حادثة ثم حدثت مثلها،‏ فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلاً،‏ أو إلى مذهبه إن كان منتسباً،‏ أفتى بذلك بلا نظر،‏ وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه،‏ فقيل:‏ له أن يفتي بذلك،‏ والأصح وجوب تجديد النظر.

ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة،‏ وكذا تجديد الطلب في التيمم،‏ والاجتهاد في القبلة،‏ وفيهما الوجهان.‏

قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في آخر باب استقبال القبلة:‏ وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له فليلزمه السؤال ثانياً يعني على الأصح قال:‏ إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها ويشق عليه إعادة السؤال عنها،‏ فلا يلزمه ذلك،‏ ويكفيه السؤال الأول للمشقة.‏ ‏

التاسعة: ينبغي أن لا يقتصر في فتواه على قوله:‏ في المسألة خلاف،‏ أو قولان،‏ أو وجهان،‏ أو روايتان،‏ أو يرجع إلى رأي القاضي،‏ ونحو ذلك،‏ فهذا ليس بجواب،‏ ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به،‏ فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح،‏ فإن لم يعرفه توقَّف حتى يظهر،‏ أو يترك الإفتاء كما كان جماعة من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث الناسي.‏ ‏




شيماء نور محمد
11-26-2009, 11:52 PM
بارك الله فيك أخى عبد القادر